يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

423

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

قال سيبويه : " وتقول : ما أدري أقام أو قعد ؟ إذا أردت أنه لم يكن بينهما شيء " . كأنه يقول : لا أدعي أنه كان منه في تلك الحال قيام ولا قعود ، أي : لم أعدد أعدد قيامه قياما ، ولم يستبن لي قعوده ، فصار بمنزلة ما لا قيام له يعرف ولا قعود . فكأنه قال : ما أدري أكان منه أحد هذين ، وإذا أيقن بكون أحد الأمرين منه وشك فيه عينا ، قال : " ما أدري أقام أم قعد " فهذا قد علم أن أحد الأمرين منه كائن ولا يعرفه بعينه . هذا باب أم منقطعة قد تقدم أحد وجهي أم في الباب الذي يلي هذا . والوجه الثاني : أن تكون منقطعة مما قبلها ومنزلتها منزلة الألف إذا اتصلت بكلام قبلها ، إلا أن " الألف " تكون ابتداء و " أم " لا تكون ابتداء لأنها للعطف . ففي الوجه الأول : تعطف شيئا على شيء وهما من جملة واحدة . وفي الوجه الثاني : تعطف جملة على جملة ، إلا أن الثاني منقطع من الأول ، ولا يكون ما بعدها إلا كلاما تاما . وقد شبه النحويون " أم " في هذا الوجه ببل ، ولم يريدوا بذلك أن ما بعد " أم " محقق كما يكون ما بعد " بل " محققا ، وإنما أرادوا أن " أم " استفهام ( مستأنف ) بعد كلام يتقدمها ، كما أن " بل " تحقيق - بعد كلام - مستأنف يتقدمها . واعلم أنه إذا كان بعد " أم " حرف الجحد الذي هو نقيض ما قبله ، فمعناها ومعنى " أو " سواء ، وذلك قولك : " أعدك زيد أم لا ؟ فأم " منقطعة كأنه حين قال : أعندك زيد ؟ كان يظن أنه عنده ، وسأل عنه وحده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده ، فقال : " أم لا " ؟ . والدليل على أنها منقطعة : أن السائل لو اقتصر على قوله : " أعندك زيد ؟ " لاقتضى استفهامه عن ذلك أن يقال له : " نعم " أو " لا " فقوله : " أم لا " : مستغني عنها في تتميم الاستفهام الأول ، وإنما يذكره الذاكر ليبين أنه عرض له الظن في نفي أنه عنده ، كما كان عرض له الظن في أنه عنده ، و " أو " تقتضي هذا المعنى ، فلذلك استوت " أم " و " أو " فيه . ويدخل في هذا المعنى ما حكاه اللّه جل وعز عن فرعون من قوله : أَ فَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا [ الزخرف : 51 - 52 ] لأن قوله : " أم أنا خير " بمنزلة قوله : " أم تبصرون ، أم أنا " ، على ما بينه سيبويه وبالإيجاب ، بأحد الأمرين في المسألة الأولى ، وذكر " أم " بعدها كالتوكيد المستغنى عنه . ألا ترى أن قوله : أفلا تبصرون يستدعي السائل به أن يقال له : " لا تبصر " أو " تبصر " ، كأن فرعون ظن أولا أنهم لا يبصرون ثم أدركه ظن أنهم يبصرون على نحو ما ذكرناه في ما قبله . وقال أبو زيد : " أم " زائدة في هذا الموضع ، ولم يقله غيره من النحويين وأما ما أنشده سيبويه للأخطل :